بقلم:
الأستاذة/ سمية رمضان عبدالفتاح
مستشار أسرى
أحب زوجي حبًّا لا يوصف، والمشكلة أنه كان متزوجًا من زوجة أوربية، وأنجب منها 3 أطفال، ثم انفصلا وتزوجنا. ورغم أنه يقول دائمًا: أنا أكرهها لأنها حطمت حياتي؛ فإني أشعر أنه يحبها، وهذا ما يسبب لي مشكلة نفسية.
وهناك مشكلة أخرى تؤرقني، وهي أنني مصابة بالغدة الدرقية؛ مما تسبب في تأخر الإنجاب عندي، ولهذا أشعر دائمًا أنه سيتركني ويتزوج بأخرى، أو يعود لزوجته الأولى وأولاده، أنا أمر بأزمة نفسية كبيرة، وأشعر دائمًا بقلق وخوف من المستقبل، مع علمي أنّ المستقبل بيد الله، ولكني خائفة جدًّا، فأريد كلمة تهدئني وتشرح صدري.
أختي الحبيبة.. الخائفة التائهة المحبة لزوجها..
أهلا وسهلا بكِ على صفحة استشارات أسرية، وشكرا لثقتكِ في جريدتنا الفتح اليوم، وندعو الله أن نكون أهلا لتلك الثقة.
أسعدتني والله رسالتك، وسعدت بحبك الكبير لزوجك، أدام الله عليكما الحب والوصال، وجمعكما في الآخرة في جنات النعيم إن شاء الله.
تعجبت كثيرًا حين قرأت رسالتكِ؛ لأنكِ لعبتِ دورَ المريض والطبيب في آنٍ واحد. فأنتِ ذكرتِ في رسالتكِ أنّ المستقبل بيدِ الله. لقد وضعتِ يدكِ على الجرح، ووضعتِ يدكِ الأخرى على البلسم الشافي، وهو أن "المستقبل بيد الله"، أليس هذا كافيًا لتطمئني وتهدئي؟!
فلو كان مستقبلكِ في يد أحد من البشر لكنتِ محقة في هذا الخوف، فربما يجور الناس على بعضهم، ولكنكِ تعلمين علم اليقين أن الله هو الحق، وهو العدل الذي لا يجور ولا يظلم، وكذلك هو الرحمن الرحيم؛ فلمَ الخوف إذن؟!
الله مالك الكون، بيده سعادتك وشقاؤك، بيده راحتك وتعبك، بيده حياتك وموتك. فلماذا تبحثين عن السعادة بعيدًا عنه؟! ها هو طريق السعادة أمامك مفتوح على مصراعيه، وسعادة القرب من الله لا ينغصها هم أو حزن أو شقاء، تجني الرضا بقضاء الله وقدره، فما "أصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، ومَا أخْطَأك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك".. مهما حدث يجب علينا الرضا التام؛ فأقدار الله خير، و"لو علمتم ما في الغيب لاخترتم الواقع".
ولكن يا حبيبتي لي عتاب: لماذا هذه النظرة السوداء إلى حياتك؟ لماذا التفكير في المستقبل، ذلك المولود الذي لم يأتِ بعد؟ لمَ تنظرين إلى الحياة هذه النظرة المتشائمة؟ لماذا تخافين ظلام الليل وأنتِ تنعمين بفجر يومٍ جميل؟ فإذا كنتِ تخافين أن يتركك زوجك ويتزوج بأخرى، فهذا أمر لا يعلمه إلا الله، ولم يحدث بعد، فلمَ الحزن إذن؟!
فتمتع بالصبح ما دمت فيه لا تخف أن يزولَ حتى يزولا
أيهَذا الشاكي وما بك داء كن جميلاً ترى الوجود جميلاً
واحذري الهم يا حبيبتي؛ فقد يحطم حياتك كلها، ولهذا استعاذ منه النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث كان يقول: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزنِ".. فهوِّني على نفسك، واعلمي أن أقدار الله كلها خير، حتى ولو كنا نراها شرًّا؛ لأن نظرتنا قاصرة.
وقد ضرب الشيخ الشعراوي مثالاً بسيطا؛ فقال: هب أن ابنك عنده خُرَّاج، ولو تُرك بدون جراحة سمم الجسم كله، فأخذت هذا الولد وذهبت إلى الطبيب المعالج، وكانت الجراحة مؤلمة جدًّا للطفل؛ فهو بنظرته القاصرة يرى أنكما تسيئان إليه وتضرانه، ولكن في الحقيقة أنتما تريدان له المنفعة والخير.. وهكذا أنتِ قد ترين في عدم إنجابك للأطفال شرًّا؛ لأنك تنظرين للمشكلة بنظرة قاصرة، ولكنَّ الله أعلم بما فيه الخير لكِ.
ولو تذكرنا معًا قصة سيدنا موسى والخضر، حين قتل الخضر الغلام، فقال له موسى عليه السلام: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا}. ولكنْ لله حكمة في قدره، فهذا الغلام سيكون سببا في شقاء أبويه الصالحين: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}.
والآن يا حبيبتي، ها هو الله يناديك، فلبي النداء، هلمي إلى طاعته، فطاعة الله لذة لا تعادلها لذة، استشعري معية الله وقربه، تقربي إليه بالفرائض والنوافل حتى يحبك، فإذا أحبك، كان سمعكِ الذي تسمعين به، وبصرك الذي تبصرين به، ويدك التي تبطشين بها، وقدمك التي تمشين عليها، ولو دعوتِه لأجابك، ولو استعذتِ به لأعاذكِ؛ فما أحلى القرب إليك يا ألله.
والآن أهمس في أذنك ببعض النصائح:
• كوني مرحة ومتفائلة، وانشري روح الأمل والتفاؤل في بيتك؛ فزوجك في أشد الحاجة إلى من يداوي له الجرح والألم، ولا يوجد أقرب إليه منكِ، عاونيه على اجتياز أزمته، وتأكدي أن هذا سيضيف من رصيدك عنده، وسيجعلك أقرب الناس إليه، خاصة أنكِ تحبينه حبًّا جمًّا، ولكني أنصحك بإخلاص النية لله، لتحصلي على السعادة في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة.
•واظبي على قراءة القرآن الكريم وحفظه؛ فالبيت الذي يُقرأ فيه القرآن يزداد خيره ويقل شره.
•أكثري من ذكر الله {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
•استغلي وقت الفراغ في تنمية مهاراتك.
•حاولي السعي في مصالح الناس؛ لأنه "مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللّهُ فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرّجَ اللّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [متفقٌ عليه].
•استعيذي بالله من الشيطان الرجيم؛ فقد تكون كل المشاكل بسبب وساوسه وهواجسه.
•اتخذي صديقات يكنّ عونًا لكِ على صالح الأعمال.
•يمكنك كفالة طفل يتيم، ليعوضكِ الإحساس بالأمومة الذي تفتقدينه، ولتعوضيه أنتِ حنان أمه، وقبل هذا وذاك تفوزين بالجنة -إن شاء الله-، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا (وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما)" [البخاري]. وهذا بالطبع إذا توفّر لديك المال والجهد اللازمين لرعاية الطفل وتنشئته، وبعد موافقة زوجك ورضاه.
•اعلمي أنك لن تغيري من أقدار الله شيئًا؛ قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}، وقال صلى الله عليه وسلم: "كَتَبَ اللّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَىَ الْمَاءِ" [مسلم]، والأكثر من ذلك أن الدنيا كلها لو اجتمعت لتنفعكِ بشيء، لن تنفعك إلا بما كتبه الله لكِ، ولن يضروكِ إلا بما كتبه الله عليكِ، فقد رُفعت الأقلام التي كُتِبَتْ بها أقدار الله، وجَفت الصحف المكتوب فيها أقدارنا حتى يوم القيامة، فلمَ الحزن إذًا؟
•أقبلي على الله بنفس تملؤها الطمأنينة النابعة من الإيمان بالله، والرضا بقضائه وقدره.
وأخيرًا يا حبيبتي، وفقك الله وثبت خطاكِ، ورزقكِ السعادة والثبات والرضا، وهدانا وإياكِ إلى طريقه المستقيم، وأرجو ألا تنسينا من فضل دعائك، وتابعينا بأخبارك.
زوجي الحبيب.. هل يخطفه القدر؟!
طبوغرافي
- حجم الخط
- الافتراضي
- وضع القراءة